ابن الجوزي
308
كتاب ذم الهوى
من الإعياء . فصل : واعلم أنّ المحبة جنس ، والعشق نوع . فإنّ الرجل يحب أباه وابنه ، ولا يبعثه ذلك على تلف نفسه ، بخلاف العاشق . وقد نقل أن بعض العشاق نظر إلى جارية كان يهواها فارتعدت فرائصه وغشي عليه ، فقيل لبعض الحكماء : ما الذي أصابه ؟ فقال : نظر إلى من يحبه فانفرج قلبه ، فتحرك الجسم لانفراج القلب . فقيل له : نحن نحبّ أهالينا ولا يصيبنا ذلك ، فقال : تلك محبة العقل وهذه محبة الروح . أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز ، قال : أنبأنا أبو القاسم التنوخي ، وأبو محمد الجوهري ، كلاهما عن أبي عبد اللّه المرزباني ، قال : أخبرني الصوفي ، قال : حدثنا محمد بن يزيد المبرد ، قال : سمعت الجاحظ يقول : كلّ عشق يسمى حبا ، وليس كل حب يسمى عشقا ، لأنّ العشق اسم لما فضل عن المحبة ، كما أن السّرف اسم لما جاوز الجود ، والبخل اسم لما نقص عن الاقتصاد ، والجبن اسم لما فضل عن شدّة الاحتراس ، والهوج اسم لما فضل عن الشجاعة .